صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
122
حركة الإصلاح الشيعي
السوق ، حاملا مشترياته بيده أو في طرف جبته « 208 » . . . والحق أن إحدى الوسائل التي تقيم التميّز لدى رجل يعدّ متميّزا ، أن يتصرف وكأنه رجل عادي ، فإن إظهار الزهد يكون من باب المزايدة في التميّز . ومن فضائل الأئمة التي يجب على العلماء ان يتصفوا بها فضيلة الورع والتقوى ومثالهما علي والإمام الرابع علي بن الحسين الملقب بزين العابدين وبالسجّاد . وبما أن هذين المثالين يجسدان الكمال ، فإن أفضل العلماء لم يدعوا الوصول إليهما ، أو حتى المرور بحال من أحوال هذين الإمامين ، يسترجعونه في حياتهم اليومية . وكان من الصعب أن تضبط بعض الصفات الموروثة كجمال الصورة - فقد كان الإمام الحسين ، كما تصفه الأحاديث ، جميلا على صورة جده النبي ( وهو أمر يشكك فيه نقّاد التاريخ ) - والجاذبية والهيبة . وقد رأينا سابقا أن هذه كانت حال عبد الحسين شرف الدين بمقتضى أقوال مترجمه ، ولم يكن ينعم لوحده بين رجال الدين بهذه الجاذبية على معاصريه ؛ فقد كان موسى شرارة يجتذب عاطفة من يقابله ، ويملك قلبه ويتمتع بقدرة كبيرة على الإقناع « 209 » . كانت كل هذه العناصر تتضافر في تشبيه العلماء بالأئمة ، ولذلك فقد كان الناس يرون فيهم موئل البركة . وقد تشهد بذلك عناصر الطبيعة : فحينما عاد نجيب فضل الله إلى جبل عامل بعد أن أنهى دراسته في النجف ، أمطرت السماء ، مع العلم أن البلاد كانت في فترة قحط « 210 » . وساعة وفاة علي محمود الأمين أبرقت الدنيا وأرعدت ونزل مطر غزير ثم توقف بعد ذلك « 211 » . وكان إلحاق الأذى ببعض العلماء ينذر بغضب الله : فلما حاول بعض وجهاء الخيام أن يكيدوا بمحمد الأمين ، مات رأسهم فجأة من يومه ووقعت على باقي رفاقه المصائب « 212 » . . . وكانت بركة بعض العلماء تدفع بالناس إلى أن يطلبوا منهم كتب الحجابات باعتبارهم من أصحاب الكرامات ، ولا سيما عبد الله نعمة وكان مشهورا بشفاء المرضى ، إلا أن كتبه لم تكن تحوي غير عبارة واحدة : باسم الله الرحمن الرحيم « 213 » . وكان الزعيم علي الأسعد من أكثر أتباع الشيخ حماسة : وكان يبلّ بالماء الأوراق التي
--> ( 208 ) . أنظر : محمد جواد مغنية ، مع علماء النجف الأشرف ، المكتبة الأهلية ، بيروت ، 1962 ص 94 و 160 . ( 209 ) . تكملة أمل الآمل ص 405 ومن الملاحظ أن سحر موسى الصدر وهيبته كانا من أسباب نجاحه عند الجمهور ولا يزال الكثيرون من اللبنانيين يذكرونه بذلك . ( 210 ) . الأعيان ، المجلد العاشر ص 207 . ( 211 ) . أنظر ترجمته في العرفان المجلد الثاني ص 531 بقلم محسن الأمين . ( 212 ) . أنظر محسن الأمين ، سيرته ص 36 - 37 . ويتابع محسن الأمين وصفه لهذه الحادثة فيقول : « وهذه الواقعة اشتهرت في جبل عالم يومئذ ( . . . ) وزاد الناس فيها حواشي كعادتهم في أمثال هذا المقام مثل أن السيد محمد الأمين أراد صلاة الصبح في ذلك اليوم وليس معه ماء فنبعت له عين » . إلا أن محسن الأمين لا يأخذ الا بما رواه له أحد المشاركين في أحداث هذه الرواية . ( 213 ) . حبيب آل إبراهيم ، « حديث النعمة » ، المهاجر العاملي الشيخ حبيب آل إبراهيم ، حياته وبعض مؤلفاته ، المستشارية الثقافية للجمهورية الإيرانية في لبنان ، بيروت ، 1996 ص 44 .